الشيخ محمد علي طه الدرة
551
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أي : ليرضعن ، فهو خبر بمعنى الأمر ، وهذا الأمر للندب ، وللوجوب ، فالأوّل عند وجود ثلاثة شروط : قدرة الأب على الاستئجار ، ووجود غير الأم ، وقبول الولد للبن غيرها ، وللوجوب عند فقد واحد منها . هذا ؛ وإن تربية الطفل بلبن الأم أصلح من غيرها ، لكمال شفقتها عليه ، ويدلّ على أنه لا يجب على المرأة إرضاع ولدها قوله تعالى : فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ولو وجب عليها الرضاع ؛ لما استحقّت الأجرة . وقال تعالى : وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى سورة ( الطلاق ) هذا نصّ صريح في ذلك ، انظر شرح الآية هناك ، فإنه جيد ، والحمد للّه ! . حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ : الحول ، والعام ، والسّنة بمعنى واحد ، والحول : من : ( حال ) : إذا انقلب من حال إلى حال ، و كامِلَيْنِ : توكيد ؛ لأنّه مما يتسامح فيه ، فيقال : أقمت عند فلان يومين - والقائل يريد يوما وبعض اليوم الآخر - كما في قوله تعالى : فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ وقد مرّ في الآية رقم [ 203 ] . وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ أي : وعلى الأب نفقة الوالدات المطلّقات ، وكسوتهن بما هو متعارف عليه بدون إسراف ، ولا تقتير لتقوم بخدمة الولد حقّ القيام ، وإنما عبر سبحانه بهذا ؛ لأن الوالدات إنما ولدن للآباء ، ولذلك ينسب الولد للأب دون الأم ، وينسب للمأمون ما يلي : [ البسيط ] لا تزدرين فتى من أن يكون له * أمّ من الرّوم أو سوداء عجماء فإنّما أمّهات النّاس أوعية * مستودعات وللأبناء آباء هذا ولم تحذف النون من ( تزدرين ) مع كونه مجزوما ب ( لا ) الناهية لضرورة الشعر . والهاء في ( له ) عائدة على ( أل ) لأنّ المعنى : الذي يولد له ، وهو الوالد . هذا ؛ والرضاع المحرّم هو الذي يكون في حدود الحولين ، وبعدهما لا تحريم بالرّضاع ، كما رأيته في الآية رقم [ 23 ] من سورة ( النساء ) . لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها : إلا طاقتها ، ومقدرتها على الإنفاق ، والمعنى : أن أبا الولد لا يكلّف في الإنفاق عليه ، وعلى أمّه إلا ما قد تتّسع به مقدرته ، كذلك لا تكلف المرأة الصّبر على التقتير في الأجرة ، بل يراعى القصد ، والاعتدال ، وفي هذه الأيام القاضي الشّرعي هو الذي يقرّر نفقة المطلقة ، ونفقة الولد حسب دخل الرّجل الشّهري ، هذا ، وكثيرا ما نسمع من ويلات الطلاق من قبل الفاسقين ، والفاسدين ؛ الذين ينكحون ثانية ، وثالثة ، ويتركون الأولى ، ويدعون لها أولادها بدون إنفاق عليها ، وعلى أولادهم ؛ سواء طلّقوا ، أم لم يطلقوا ! فلا حول ولا قوة إلا باللّه ! . هذا ؛ وفي هذه الآية دليل على أنّ الحضانة للأم ، ويقدر مدّتها في هذه الأيام القاضي الشرعي ، والرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم قال للأم : « أنت أحقّ به ما لم تنكحي » . فقد روى أبو داود عن